أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

93

العقد الفريد

قال : الحقي بأبيك ! وخاض الناس في أمرها ، فقال لها أبوها : يا بنية العار وإن كان كذبا ، أبثيني شأنك ، فإن كان الرجل صادقا دسست عليه من يقتله فيقطع عنك العار ، وإن كان كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن . قالت : واللّه يا أبت إنه لكاذب ! فخرج عتبة فقال : إنك رميت ابنتي بشيء عظيم ، فإما أن تبيّن ما قلت ، وإلا فحاكمني إلى بعض كهان اليمن . قال : ذلك لك . فخرج الفاكه في جماعة من رجال قريش ، ونسوة من بني مخزوم . وخرج عتبة في رجال ونسوة من بني عبد مناف . فلما شارفوا بلاد الكاهن تغيّر وجه هند ، وكسف بالها . فقال لها أبوها : أي بنية ، ألا كان هذا قبل ان يشتهر في الناس خروجنا ؟ قالت : يا أبت ، واللّه ما ذلك لمكروه قبلي ، ولكنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب ، ولعله ان يسمني بسمة تبقى على ألسنة العرب . فقال لها أبوها : صدقت . ولكني سأخبره لك فصفّر بفرسه ، فلما أدلى « 1 » عمد إلى حبة بر فأدخلها في إحليله ، ثم اوكى عليها وسار . فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونحر لهم ، فقال له عتبة : إنا أتيناك في أمر ، وقد خبأنا لك خبيئة ، فما هي ؟ قال : برّة في كمرة . قال : أريد أبين من هذا . قال : حبة برّ في إحليل مهر . قال : صدقت . فانظر في أمر هؤلاء النسوة . فجعل يمسح رأس كل واحدة منهن ، ويقول : قومي لشأنك ! حتى إذا بلغ إلى هند مسح يده على رأسها ، وقال : قومي غير رقحاء ولا زانية ، وستدلين ملكا يسمى معاوية . فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها ، فنترت « 2 » يده من يدها ، وقالت [ إليك عني ! ] واللّه لأحرصنّ أن يكون ذلك الولد من غيرك ! فتزوجها أبو سفيان ، فولدت له معاوية . هند وزواجها من أبي سفيان وذكروا ان هند بنت عتبة بن ربيعة قالت لأبيها : يا أبت : إنك زوّجتني من هذا

--> ( 1 ) أدلى الفرس : أخرج جردانه ليبول أو يضرب . ( 2 ) نترت يده من يدها : جذبتها بشدة .